الجصاص
526
أحكام القرآن
الكفر ، لأن الصغار لا يجوز أن يكونوا كفارا في الحقيقة ولا يستحقون القتل ولا العقوبة لفعل آبائهم في باب سقوط الدية والكفارة . وأما احتجاج من يحتج بقوله : ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ) الآية ، في منع رمي الكفار لأجل من فيهم من المسلمين ، فإن الآية لا دلالة فيها على موضع الخلاف ، وذلك لأن أكثر ما فيها أن الله كف المسلمين عنهم لأنه كان فيهم قوم مسلمون لم يأمن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لو دخلوا مكة بالسيف أن يصيبوهم ، وذلك إنما يدل على إباحة ترك رميهم والإقدام عليهم ، فلا دلالة على حظر الإقدام عليهم مع العلم بأن فيهم مسلمين ، لأنه جائز أن يبيح الكف عنهم لأجل المسلمين وجائز أيضا إباحة الإقدام على وجه التخيير ، فإذا لا دلالة فيها على حظر الإقدام . فإن قيل : في فحوى الآية ما يدل على الحضر ، وهو قوله : ( لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ) فلولا الحضر ما أصابتهم معرة من قتلهم بإصابتهم إياهم . قيل له : قد اختلف أهل التأويل في معنى المعرة ههنا ، فروي عن ابن إسحاق أنه غرم الدية ، وقال غيره : الكفارة ، وقال غيرهما : الغم باتفاق قتل المسلم على يده ، لأن المؤمن يغتم لذلك وإن لم يقصده ، وقال آخرون : العيب . وحكي عن بعضهم أنه قال : " المعرة الإثم " ، وهذا باطل ، لأنه تعالى قد أخبر أن ذلك لو وقع كان بغير علم منا لقوله تعالى : ( لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ) ، ولا مأثم عليه فيما لم يعلمه ، ولم يضع الله عليه دليلا ، قال الله تعالى : ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ) [ الأحزاب : 5 ] ، فعلمنا أنه لم يرد المأثم . ويحتمل أن يكون ذلك كان خاصا في أهل مكة لحرمة الحرم ، ألا ترى أن المستحق للقتل إذ لجأ إليها لم يقتل عندنا ، وكذلك الكافر الحربي إذا لجأ إلى الحرم لم يقتل ، وإنما يقتل من انتهك حرمة الحرم بالجناية فيه ، فمنع المسلمين من الإقدام عليهم خصوصية لحرمة الحرم . ويحتمل أن يريد : ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات قد علم أنهم سيكونون من أولاد هؤلاء الكفار إذا لم يقتلوا ، فمنعنا قتلهم لما في معلومه من حدوث أولادهم مسلمين ، وإذا كان في علم الله أنه إذا أبقاهم كان لهم أولاد مسلمون أبقاهم ولم يأمر بقتلهم ، وقوله : ( لو تزيلوا ) على هذا التأويل ، لو كان هؤلاء المؤمنون الذين في أصلابهم قد ولدوهم وزايلوهم لقد كان أمر بقتلهم ، وإذا ثبت ما ذكرنا من جواز الإقدام على الكفار مع العلم بكون المسلمين بين أظهرهم وجب جواز مثله إذا تترسوا بالمسلمين ، لأن القصد في الحالين رمى المشركين دونهم ومن أصيب منهم فلا دية فيه ولا كفارة ، كما أن من أصيب برمي حصون الكفار من المسلمين الذين في الحصن لم تكن فيه دية